مشاهدات
يختبر الإنسان في حياته مساحات شتى من الخذلان، غير أن أقساها تلك اللحظة التي يجد فيها نفسه محاصراً بظلم بيّن ممن وثق بهم، وعاجزاً في الوقت ذاته عن تحصيل حقه بمقاييس البشر وموازين الأرض المادية. في هذه المساحة النفسية الضيقة، لا تعود المعركة مجرد نزاع على حق مسلوب، بل تتحول إلى صراع داخلي أعمق لحماية الروح من التآكل تحت وطأة المرارة والغضب. حينها، لا يكون اللجوء إلى التوكل مجرد استسلام للواقع أو حيلة دفاعية للعاجز، بل هو إعادة توجيه واعية للخصومة كلها نحو ساحة العدالة المطلقة التي لا تسقط فيها الحقوق بالتقادم ولا تغيب عنها خفايا الصدور.
عبء الخصومة وفضيلة التخلي عن الانتقام
إن الرغبة في الانتقام، مهما بدت مبررة في لحظات الألم الشديد، تفرض على صاحبها استنزافاً نفسياً مستمراً؛ فالانتقام يربط الضحية بالمعتدي برباط وثيق من المراقبة والتربص والترقب، مما يجعل الألم متجدداً بمرور الوقت بدلاً من أن يهدأ. وحين يقرر المظلوم الترفع عن طلب الثأر الأرضي وعدم تمني سوء المصير للطرف الآخر، فإنه في الواقع يفك هذا الارتباط السام أولاً، ويحمي قلبه من التحول إلى نسخة من القسوة التي عانى منها.
إن قول «حسبي الله ونعم الوكيل» في هذا السياق يمثل انتقالاً نوعياً من دائرة الضعف البشري إلى رحاب التفويض الإلهي؛ فهو ليس انسحاباً سلبياً من الحياة، بل إقرار عميق بأن العدل الكوني قائم، وأن استرداد الحقوق الحقيقية لا يتطلب تلويث اليد بالخصومات العبثية، وإنما ترك الموازين لمن لا يُظلم عنده أحد.
نقض العهود والوجع المحفور في الأعماق
لا تتساوى المظالم في أثرها؛ فالأذى القادم من بعيد يمكن تجاوزه، أما الوجع الناجم عن تمزيق عهد وُثق بالأمانة فهو الذي يترك شروخاً غائرة في بنية الثقة الإنسانية برمتها. إن نقض المواثيق لا يسلب الحقوق المادية أو المعنوية فحسب، بل يزعزع قدرة الإنسان على تصديق الأمان من حوله، ويجعله يحمل في داخله انكساراً لا يمكن للمبررات الجاهزة أو الاعتذارات السطحية أن تمحوه بسهولة.
من هنا تكتسب فكرة التمسك بالحق مشروعيتها النفسية والأخلاقية؛ فالعفو ليس دائماً واجباً آلياً يُفرض على المكسور قسراً، بل هو مسألة ترتبط بإذن الله وطاقة القلب على التجاوز. التمسك بعدم التنازل أمام نقض العهود هو تأكيد واعي على أن كرامة المشاعر ليست رخيصة، وأن الأوجاع التي استبيحت بدم بارد لها حساب وميزان قائم لا يُلغى بمجرد مرور الزمن.
سقوط الأقنعة أمام المحكمة العليا
تمنحنا الحياة الدنيوية أحياناً انطباعاً خادعاً بإمكانية الإفلات من عواقب الظلم؛ فالقدرة على تزييف الحقائق، وبلاغة التبرير، وحشد الشهادات المصطنعة قد تمكن الظالم من الظفر بجولة مؤقتة أمام أعين الناس. لكن هذا الانتصار الشكلي يظل هشاً ومؤقتاً، إذ يتجاهل الحقيقة الأزلية المتمثلة في وجود موعد حتمي تتساقط فيه كل الحجج الواهية وتنكشف فيه السرائر على حقيقتها الكاملة.
أمام قاضي السماء، تختفي الحاجة إلى تقديم الإثباتات الدنيوية أو الدخول في جدل مرير، لأن علام الغيوب يحيط بأصل الحكاية، ويعلم يقيناً من زرع الألم ومن تحمله في صمت. في ذلك المشهد النهائي، تتضاءل كل الكلمات ويسود الصمت المهيب، ليكتفي القلب المكلوم بجملة واحدة تختصر كل المظالم: يا رب، أنت أعلم بما فعلوا، وأنت أعلم بما في القلوب.
1 comments
حسبي الله ونعم الوكيل و كفى بالله وكيلا و أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد .
في الآخرة ربنا يأخذ حق المظلوم دون أن يواجه الظالم .
و يقول المظلوم ليته ظلمني أكثر حتى ترتفع درجتي في الآخرة أكثر .