حين يصبح الغياب عادة
حين يصبح الغياب عادة
نص أدبي عن الغياب حين يتحول من وجع يومي إلى عادة صامتة، وعن اللحظة التي نتعلم فيها أن نعيش دون انتظار من رحل.

حين يصبح الغياب عادة | نص أدبي عن الفقد والحنين

في البداية، كان غيابك حدثا.

كنت أستيقظ وفي رأسي سؤال واحد: لماذا لم تعد؟

كنت أراقب الهاتف أكثر مما ينبغي، وأفتح المحادثة القديمة دون سبب، ثم أغلقها قبل أن أكتب شيئا. كنت أترك مساحة صغيرة في يومي لاحتمال أن تظهر فجأة، برسالة قصيرة، بكلمة عابرة، أو حتى بسؤال لا يحمل معنى واضحا.

كنت أقول لنفسي إنك ربما مشغول.

ثم بدأت أقول إنك تحتاج إلى وقت.

ثم اخترعت لك أعذارا لم تطلبها مني أصلا.

كنت أحاول أن أحافظ على صورتك في داخلي، حتى لا أضطر إلى الاعتراف بالحقيقة البسيطة: أنك اخترت الغياب.

حين يتغير معنى الغياب

ومع مرور الأيام، تغير شيء لا أعرف متى بدأ.

لم أعد أستيقظ لأبحث عنك.

لم أعد أفتح الهاتف منتظرا اسمك.

حتى الأماكن التي كانت مرتبطة بك، صرت أمر بها دون أن أشعر بأن شيئا ينقصني.

الغريب أنني لم أنسك.

كنت أتذكرك أحيانا، بكل وضوح. أتذكر صوتك، وطريقة كلامك، والتفاصيل الصغيرة التي لم أكن أظن يوما أنني سأحفظها.

لكنني اكتشفت متأخرا أن الذاكرة لا تعني الانتظار.

يمكن للإنسان أن يتذكرك دون أن يريد عودتك. ويمكنه أن يحن إلى وقت قديم، دون أن يرغب في استعادته.

حين يتوقف الإنسان عن الانتظار

ربما هذا هو أصعب ما في الغياب.

أنك في البداية تخسر شخصا، ثم بعد وقت طويل تكتشف أنك خسرت أيضا النسخة القديمة منك التي كانت تنتظره.

كنت أظن أن التعافي يعني أن يأتي يوم لا أتذكرك فيه.

لكنني فهمت أن الأمر ليس كذلك.

التعافي الحقيقي كان في ذلك المساء العادي، حين أدركت أنني لم أعد أعرف متى كانت آخر مرة انتظرت فيها رسالة منك.

لم أنتبه إلى لحظة انتهاء الانتظار. لم تكن هناك موسيقى حزينة، ولا وداع أخير، ولا مشهد كبير يعلن أنني تجاوزتك.

فقط... مر الوقت.

وتغيرت أنا.

الذاكرة ليست دعوة للعودة

أصبح غيابك جزءا من شكل الأيام، مثل كرسي فارغ اعتدنا وجوده في غرفة ما، حتى لم نعد نسأل لماذا هو فارغ.

وهنا فهمت شيئا لم أكن مستعدا لفهمه من قبل:

ليس كل من نفتقدهم نريد عودتهم.

أحيانا نفتقدهم لأنهم كانوا جزءا من حياة انتهت، لا لأننا نريد أن تبدأ من جديد.

وأحيانا لا يكون أصعب ما في الفراق أن يرحل أحدهم، بل أن تتعلم كيف تواصل حياتك بعده دون أن تشعر أنك تخونه بالنسيان.

حين يصبح الغياب عادة

أما أنت...

فلم أعد غاضبا منك.

ولا أنتظر اعتذارا.

ولا أبحث عن تفسير.

لقد أصبحت حكاية قديمة أعرف تفاصيلها جيدا، لكنني لم أعد أعيش داخلها.

وربما هذا هو الغياب حين يصبح عادة:

أن يظل الشخص في الذاكرة...

بينما تنسحب منه الحياة شيئا فشيئا.

حتى يأتي يوم تذكره فيه، ثم تبتسم ابتسامة صغيرة، لا لأنك سعيد بما حدث، بل لأنك أدركت أخيرا أنك نجوت.

حكاية بنفسج 💜 مشروع إبداعي متخصص في الخواطر والنصوص الأدبية والقصص والمشاعر الإنسانية. نكتب عن الحب والفراق والحنين والخذلان والعلاقات وما يعجز الإنسان أحيانا عن قوله. نقدم النصوص في أشكال مكتوبة وصوتية وسينمائية، بهدف صناعة محتوى صادق وعميق يشعر القارئ أنه كُتب عنه.

ردة فعلك؟

https://banafsig.com/assets/images/user-avatar-s.jpg

0 comment

Write the first comment for this!

تعليقات على فيسبوك